بعد الحملة العسكرية التي قادها نابليون بونابرت على مصر عام 1798، ظهر أدب غزير حول موضوع لم يكن يحظى باهتمام كبير من قبل، وهو مشاركة النساء في الرحلات إلى الشرق. ومن خلال المذكرات والشهادات الشخصية، بدأت تتكشف لنا جوانب من مساهمتهن الخفية في هذا المجال، الذي طالما ارتبط بالمغامرة، والخيال، والأساطير. في تلك الحقبة، كان السفر مغامرة في المكان والزمان، وكان يفصل بوضوح بين «الأنا» الرحّالة و«الآخر» البعيد، الذي يثير الشغف، ويغذّي رغبة الاكتشاف.
لقد طوى النسيان أسماء كثيرٍ من هؤلاء النساء، غير أنّ سِيَر بعضهن لا تزال حيّة في الذاكرة، تستحضرها الكتب والتأملات. فمنهن من خضن التجربة بمفردهن، مدفوعاتٍ بشغف الاكتشاف أو بدوافع دينية أو إيديولوجية، وبعضهن رافقن أزواجهن أو أقاربهن، كما هو شأن الرحّالة البريطانية الليدي آن بلونت (1837ـ 1917)؛ غير أنّهن جميعًا تحديّن المسافات، وواجهن الاختلافات الثقافية، وتجاوزن القيود الاجتماعية السائدة.
صورة رقم 1: لوحة لليدي آن بلونت في ألبوم جوديث فوربيس، مربية الخيول العربية HC.HP.FOR.0110
شهدت العقود الأخيرة تسليط الضوء على إسهامات بارزة لرحّالات استكشفن العالم ودوّنّ مشاهداتهن. وبات بين أيدينا اليوم رصيد غني من أدب الرحلات لكاتبات شرقيات وغربيات، وهو نتاج معرفي يدعونا إلى التعمّق في قراءته واكتشاف جوانبه التاريخية والتراثية. وتطرح هذه الكتابات العديد من الأسئلة التي تؤرّق الباحث والدارس كلما اقترب من هذا الأسلوب الأدبي الفريد.
تمتلك المكتبة التراثية رصيدًا مهمًا من المصادر والمراجع المتنوعة التي يمكن أن تُسهم في إثراء الساحة المعرفية في هذا المجال، مما يفتح آفاقًا بحثية واعدة أمام المهتمين بهذه الموضوعات التاريخية والقضايا الفكرية. وتتوزع هذه الأعمال بين ما نُشر، وما لا يزال في صورة مخطوط.
وفي هذا السياق، توجّه اهتمامنا إلى الرحّالة بلونت، بوصفها واحدة من أبرز الأصوات التي ميّزت كتاباتها أواخر القرن التاسع عشر، لما تقدّمه من مادة ثرية تسهم في فهم صورة الشرق في أدب الرحلة النسوي.
البدايات والدوافع نحو المجهول
كانت الليدي آن بلونت، التي ورثت عن جدّها الشاعر الرومانسي اللورد بايرون روح المغامرة وفضول الاكتشاف، امرأةً إنجليزيةً ذات شخصية مستقلة ورؤية واضحة للعالم. ولم تكن رحلتها إلى قلب الجزيرة العربية مجرد مغامرة عابرة، بل جاءت ثمرة شغف عميق ومتجذّر بالخيل العربية الأصيلة، إلى جانب افتتانها بجغرافيا المناطق المجهولة.
صورة رقم 2: غلاف نسخة عام 1881 م من كتاب "حج إلى نجد"
في مقدمة كتابها "حج إلى نجد"، تُشير بلونت إلى أن صحراء نجد تمثّل فضاءً راسخًا في الخيال العربي، مرتبطًا بشخصيات رمزية مثل عنترة بن شداد، بوصفه نموذجًا للفروسية والشجاعة، وحاتم الطائي، باعتباره أيقونة الكرم العربي. وتوظّف الكاتبة البُعد الرمزي للصحراء لتبرير عنوان كتابها، وتغدو مناطق مثل النفود وجبل شمر، في نظر هؤلاء الرحّالة، بمثابة فضاءات حجّ رمزي ومواطن استكشاف، يسعون إلى بلوغها بشغف.
في عام 1878، انطلق الزوجان (آن وزوجها الشاعر والدبلوماسي ويليفرد بلونت) من بلاد الشام باتجاه قلب الجزيرة العربية. وكان الدافع إلى هذه الرحلة استكشاف جغرافيا المناطق الداخلية ورصدها، وتوثيق سلالات الخيول العربية الأصيلة، التي اعتبراها إرثًا ثقافيًا جديرًا بالدراسة والتوثيق.
تفاصيل الرحلة وتحدّيات الصحراء
خلال مسيرتها المحفوفة بالتحدّيات في قلب الصحراء، أولت الرحّالة بلونت اهتمامًا بالغًا بتوثيق تفاصيل رحلتها اليومية. ولم تكتفِ بمجرد الوصف الانطباعي للمشاهدات، بل حرصت على تدوين يومياتها بانتظام، وتسجيل أدق تفاصيل الحياة اليومية، مستخدمةً أدوات ذات طابع علمي.
صورة رقم 3: خارطة تُظهر مسار رحلة آن بلونت إلى نجد كما جاءت في إحدى نسخ مكتبة قطر الوطنية لمذكراتها.
وقد شكّل التمر والقهوة الزاد اليومي الثابت للرحّالة؛ ففي كل منزل كان ثمة ركن مخصّص يُعرف بـ«القهوة»، يُستقبل فيه الضيف بشرب الفنجان مصحوبًا بحبات التمر. وتكرّر هذا الطقس أينما حلّ الفريق، ليغدو جزءًا لا يتجزأ من الإيقاع اليومي للرحلة.
ولم تقتصر تحدّيات الرحلة على الإجهاد الجسدي فحسب، بل امتدّت لتشمل ظروفًا بيئية قاسية، لا سيّما ما يتعلّق بالنظافة الشخصية. فقد واجهت بلونت صعوبات كبيرة في الحفاظ على معايير النظافة التي اعتادتها، في ظل شحّ المياه في معظم المحطات التي توقّفوا بها، باستثناء حائل.
تفاعلات إنسانية في قلب الثقافة البدوية
تميّز تعامل الليدي آن بلونت مع القبائل التي التقت بها خلال رحلتها بفضولٍ معرفيٍّ صادق، واحترامٍ عميقٍ لثقافتهم وتقاليدهم. فلم تنظر إليهم بوصفهم «آخر» غريبًا، بل سعت إلى فهم نمط حياتهم من الداخل فقد شاركتهم طعامهم البسيط، وجلست على فرشهم المتواضعة، وانخرطت في أحاديث السمر الليلية التي تناولت قضايا محورية مثل مفهوم الثأر، وأخبار المعارك القديمة التي أسهمت في تشكيل ذاكرتهم الجمعية.
كانت بلونت واعيةً تمامًا بالفجوة الثقافية العميقة التي تفصل عالمها عن العالم البدوي، وهو وعيٌ انعكس في ملاحظاتها الدقيقة. فقد لاحظت غياب المظاهر الدينية العلنية التي اعتادت رؤيتها في المدن؛ فلا مساجد عامرة، ولا طقوس تعبّدية ظاهرة، باستثناء ما سجلته لدى بني ناصر، حيث كان أثر الدعوة الوهابية لا يزال حاضرًا.
صورة رقم 4: الصفحة 238 https://ediscovery.qnl.qa/islandora/object/QNL%3A00012688#page/238/mode/1up
وفي الليل، تكثر الحكايات لسدّ فراغ الصمت الصحراوي، ويعلو الغناء. وقد أسهمت ثقافتها الموسيقية في إرهاف سمعها لالتقاط الإيقاعات وتدوين الألحان، بمهارة الخبير العارف بأصول السلم الموسيقي، كما مكّنها إتقانها لفن الرسم من توثيق المشاهد التي عايشتها.
وقد استوقفتها جوانب ثقافية أخرى، من بينها حضور النزعة القدرية بقوة في الوعي البدوي، فكان كل ما يحدث في الحياة، خيرًا كان أو شرًا، يُعزى إلى مشيئة الله. كما لفت انتباهها الوزن الرمزي الكبير للكلمة في هذا المجتمع، إذ تُؤخذ الأقوال بجدية حتى في غياب أي دليل مادي ملموس. وفي سياق تفاعلاتها الإنسانية، حظيت بلونت بفرصة نادرة لدخول حريم الأمير محمد بن رشيد في حائل، والتعرف عن قرب على جوانب من الحياة الاجتماعية هناك.
استكشاف البيئة الطبيعية وعجائبها
لم يقتصر اهتمام بلونت خلال رحلتها على الجوانب الإنسانية والثقافية فحسب، بل شمل البيئة الطبيعية بكل مظاهرها. فقد دوّنت بدقة ملاحظاتها حول السماء الصحراوية، وتقلبات الطقس، وأنواع الطيور والنباتات التي صادفتها، في مسعى واضح لفهم الظواهر الطبيعية المحيطة بها. كما أبدت شغفًا خاصًا بتنوّع تضاريس الصحراء، وإعجابًا بقدرة البدو اللافتة على الاهتداء في هذه الفضاءات الشاسعة، في مقابل اعتمادها على أدوات حديثة لتحديد المسار.
صورة رقم 5: الصفحة 170 https://ediscovery.qnl.qa/islandora/object/QNL%3A00012688#page/107/mode/1up
كما لم يغب عن ملاحظاتها البعد التاريخي العميق لهذه الأرض، إذ سجّلت النقوش القديمة التي اكتُشفت في بعض المناطق، إلى جانب الروايات والتفسيرات التي قدّمها السكان المحليون لتلك الآثار.
لقاءات في حائل: السياسة والضيافة
عند وصول الفريق إلى حائل، حظي باستقبال حافل من الأمير محمد بن رشيد، تجلّى في مأدبة كبيرة لم تقتصر على الضيوف الأوروبيين، بل شملت مرافقيهم، وعددًا من سكان المدينة، في تجسيد لكرم الضيافة البدوية.
الصورة رقم 6: الصفحة 305 https://ediscovery.qnl.qa/islandora/object/QNL%3A00012688#page/305/mode/1up
وفي تلك الأمسية، حلّلت بلونت شخصية الأمير محمد بن رشيد، واصفة إياه بحضور قوي مصحوب بنزعة واضحة إلى الاستعراض، ولاحظت في المقابل الدور الهادئ والحذر الذي اضطلع به مستشاره حمود. وقد أتاحت لها هذه الملاحظات فهمًا أعمق لبنية السلطة في نجد ولموازين القوى السياسية السائدة آنذاك.
منظور المستكشِفة وعلاقتها بمن سبقها (بالغريف أنموذجًا)
كان ويليام بالغريف مستشرقًا ودبلوماسيًا بريطانيًا سبق الليدي آن بلونت في استكشاف الجزيرة العربية، ونُشرت رحلته الشهيرة "رحلة إلى قلب الجزيرة العربية" عام 1865. وكانت الليدي آن على دراية بأعمال بالغريف، واعتمدت عليها أحيانًا كمصدر جغرافي وتاريخي، لكنها لم تتردد في توجيه انتقادات ضمنية لبعض أطروحاته، لا سيما ميله الواضح إلى تفضيل الفضاءات الحضرية على الحياة البدوية.
الصورة رقم 7: خارطة HC.MAP.00170 https://ediscovery.qnl.qa/islandora/object/QNL%3A00004474#page/1/mode/1up
ورأت بلونت أن بعض ملاحظات بالغريف تفتقر إلى الدقة وإلى المعاينة المتأنية، وهو ما يجعل رحلتها وكتابها بمثابة تصحيح غير مباشر لبعض التصورات السابقة عن المنطقة.
الكاتبة بوصفها امرأة في عالم يهيمن عليه الذكور
يُلاحظ في أسلوب بلونت قدر كبير من التحفّظ في التعامل مع كونها امرأة أوروبية تخترق فضاءً بدويًا تقليديًا يُهيمن عليه الذكور. ففي معظم سردها، لا تجعل من هويتها الجندرية محورًا للخطاب، بل تسعى إلى الاندماج في المشهد العام، وتجاوز الفوارق الجندرية في لغة الرواية.
الصورة رقم 8: الصفحة 12 https://ediscovery.qnl.qa/islandora/object/QNL%3A00012688#page/12/mode/1up
وفي المقابل، تبرز لحظات ينكشف فيها صوتها الأنثوي بوضوح، كما في حادثة صرختها أثناء هجوم مفاجئ، وهو صوت صادر عن خوف إنساني غريزي لا عن ضعف شخصي. وفي تفاعلاتها مع النساء المحليات، أظهرت الليدي آن حساسية أنثوية لافتة، مسجّلة ملاحظات دقيقة عن عالمهن الخاص.
إرث الرحلة واستمرار التأمّل
في ختام هذا السرد لرحلة بلونت، تتجلّى بوضوح شخصيتها المستقلة، وشغفها العميق بالمعرفة، ودقّة ملاحظتها، وحساسيتها الثقافية، وهي سمات انعكست في مجمل تفاصيل رحلتها وتدويناتها. فلم تكن رحلتها إلى نجد مجرّد فضول استكشافي عابر للأمكنة، بل شكّلت تجربة إنسانية مركّبة وعميقة الأثر، كشفت عن عوالم متداخلة من الطبيعة والثقافة وأنماط العلاقات الإنسانية.
خلّفت الليدي آن بلونت، من خلال كتابها، إرثًا معرفيًا بالغ الأهمية، يتمثّل في رصيد غني من الملاحظات الدقيقة والتأملات النقدية التي أسهمت في توثيق جوانب أساسية من تاريخ الجزيرة العربية وثقافتها في تلك المرحلة. كما يُقدّم هذا الإرث صورة حيّة لامرأة رائدة، تجاوزت حدود زمانها ومكانها، واخترقت فضاءات جغرافية وثقافية مغلقة نسبيًا، مدفوعة بحب المعرفة وشغف الاستكشاف.
إضافة تعليق جديد